سيد محمد طنطاوي
85
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : علام عطف قوله : * ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ) * ؟ قلت هو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ والمعنى : يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشاربين . قال الشاعر : وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام فيقبل بعضهم على بعض * ( يَتَساءَلُونَ ) * عما جرى لهم وعليهم في الدنيا . إلا أنه جيء به ماضيا على عادة اللَّه في أخباره « 1 » . أي : أن هؤلاء العباد المخلصين ، بعد أن أعطاهم اللَّه ما أعطاهم من النعم ، أقبل بعضهم على بعض * ( يَتَساءَلُونَ ) * فيما بينهم عن ذكرياتهم ، وإذا بواحد منهم يقول لإخوانه - من باب التحدث بنعمة اللَّه : * ( إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ) * أي : إني في الدنيا كان لي صديق ملازم لي ، ينهاني عن الإيمان - بالبعث والحساب ، ويقول لي - بأسلوب التهكم والاستهزاء : * ( أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ) * أي : أإنك - أيها الرجل - لمن المصدقين بأن هناك بعثا وحسابا ، وثوابا وعقابا ، وجنة ونارا . ثم يضيف إلى ذلك قوله : * ( أَإِذا مِتْنا ) * وانتهت حياتنا في هذه الدنيا ، ووضعنا في قبورنا * ( وكُنَّا تُراباً وعِظاماً ) * أي : وصارت أجسادنا مثل التراب ومثل العظام البالية . * ( أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ) * أي : أإنا بعد كل ذلك لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى ، ومجزيون بأعمالنا . فقوله - تعالى - : * ( لَمَدِينُونَ ) * من الدين بمعنى الجزاء ، ومنه قوله - تعالى - : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ والاستفهام : للاستبعاد والإنكار من ذلك القرين للبعث والحساب .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 44 .